محمد بن جرير الطبري

588

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ممن سمع قوله : والله لكأنك يا أبا سعيد راض عن أهل الشام ، فقال : انا راض عن أهل الشام قبحهم الله وبرحهم ! ا ليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله ص ، يقتلون أهله ثلاثة أيام وثلاث ليال ! قد أباحوهم لانباطهم واقباطهم ، يحملون الحرائر ذوات الدين ، لا يتناهون عن انتهاك حرمه . ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام ، فهدموا الكعبة ، وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها ، عليهم لعنه الله وسوء الدار ! قال : ثم إن يزيد خرج من البصرة ، واستعمل عليها مروان بن المهلب ، وخرج معه بالسلاح وبيت المال ، فاقبل حتى نزل واسطا ، وقد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط ، فقال : هاتوا الرأي ، فان أهل الشام قد نهضوا إليكم ، فقال له حبيب ، وقد أشار عليه غير حبيب أيضا فقالوا : نرى ان تخرج وتنزل بفارس ، فتأخذ بالشعاب وبالعقاب ، وتدنو من خراسان ، وتطاول القوم ، فان أهل الجبال ينقضون إليك وفي يديك القلاع والحصون فقال : ليس هذا برأيي ، ليس يوافقني هذا ، انما تريدون ان تجعلوني طائرا على راس جبل فقال له حبيب : فان الرأي الذي كان ينبغي ان يكون في أول الأمر قد فات ، قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة ان توجه خيلا عليها أهل بيتك حتى ترد الكوفة ، فإنما هو عبد الحميد بن عبد الرحمن ، مررت به في سبعين رجلا فعجز عنك ، فهو عن خيلك اعجز في العدة ، فنسبق إليها أهل الشام وعظماء أهلها يرون رأيك ، وان تلى عليهم أحب إلى جلهم من أن يلي عليهم أهل الشام ، فلم تطعني ، وانا أشير الان براي ، سرح مع أهل بيتك خيلا من خيلك عظيمه فتأتي الجزيرة ، وتبادر إليها حتى ينزلوا حصنا من حصونها ، وتسير في أثرهم ، فإذا اقبل أهل الشام يريدونك لم يدعوا جندا من جنودك بالجزيرة ، ويقبلون إليك فيقيمون عليهم ، فكأنهم حابستهم عليك حتى تأتيهم فيأتيك من بالموصل من قومك ، وينفض إليك أهل العراق وأهل الثغور ، وتقاتلهم في ارض رفيغه السعر ، وقد جعلت العراق كله وراء ظهرك ،